في رحلة الحياة الطويلة ، المليئة بالمنعطفات والاختبارات ، لا يمكن للإنسان أن يسير وحيداً .
لقد جُبلنا على الاجتماع والأُنس بالغير ، ولكن الفارق الجوهري يكمن في "نوعية" هذا الغير .
إن اختيار الرفيق ليس مجرد انتقاء لمن نقضي معهم أوقات الفراغ ، بل هو اختيار لنمط حياة ، وتحديد لمسار قد يمتد تأثيره من حياتنا الفانية إلى دار البقاء .
هنا تبرز قيمة "الرفقة الصالحة" كواحدة من أعظم نعم الله على عبده .
في الدنيا : الملاذ والمرآة
الرفيق الصالح في هذه الدنيا هو كالمصباح في الظلمة ، وكالعصا التي يتوكأ عليها الإنسان حين توشك قدماه على الزلل .
إنه ذلك الشخص الذي يذكرك بالله إذا نسيت ، ويعينك على الطاعة إذا ذكرت .
في زمن تطغى فيه الماديّات وتكثر فيه الفتن ، يصبح الصديق الصالح صمام أمان ؛ فهو لا يجاملك على حساب دينك أو قيمك ، بل يقدم لك النصيحة الصادقة المغلفة بالمحبة والخوف عليك .
إنه "المرآة الصادقة" التي ترى فيها عيوبك دون رتوش ، فيعينك على إصلاحها قبل أن تستفحل .
وقد شبه النبي محمد صلى الله عليه وسلم الجليس الصالح بحامل المسك ؛ فإما أن تبتاع منه ، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة .
هكذا هو الصالح ، مجرد القرب منه يبعث في نفسك الطمأنينة ويدفعك نحو المعالي ، ويجنبك مواطن الشبهات والسوء .
هو السند في الشدائد ، الذي إذا مالت بك الدنيا قومها بكتفه ، وإذا ضاقت بك السبل وسعها بدعائه ومشطورته .
في الآخرة : الحبل الموصول
لكن ، هل تنتهي هذه العلاقة بانتهاء الأجل ؟ هنا يكمن الفرق العظيم بين صداقة المصالح الدنيوية وصداقة الإيمان .
كل الصداقات التي قامت على أساس دنيوي بحت تنقطع بالموت ، بل قد تنقلب عداوة يوم القيامة ، كما قال تعالى : {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ} .
أما الرفقاء الصالحون ، الذين تحابوا في الله ، واجتمعوا على طاعته ، وتواصوا بالحق والصبر ، فإن علاقتهم تخترق حجب الزمن لتبقى خالدة .
هم الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله .
وفي مشهد مهيب من مشاهد يوم القيامة ، حين ينجو المؤمنون ويدخلون الجنة ، يتفقدون إخوانهم الذين كانوا معهم في الدنيا على الطاعة ، فيشفعون لهم عند ربهم ، رغبة منهم في اكتمال الأنس بهم في دار النعيم .
إن الرفقة الصالحة ليست ترفاً اجتماعياً ، بل هي ضرورة دينية ودنيوية .
إنها استثمار طويل الأمد ، أرباحه السكينة في الدنيا ، والفوز في الآخرة .
فلنحرص على انتقاء من نصاحب ، ولنكن نحن أنفسنا ذلك الرفيق الصالح الذي يرجوه الناس ، لعلنا نكون ممن يقال لهم : ادخلوا الجنة أنتم وإخوانكم تحبرون .
مدونة قوافل الود